في عصر السوشيال ميديا، لم يعد القرار الطبي يعتمد فقط على رأي الطبيب أو التوصيات العلمية، بل أصبح يتأثر أحيانًا بمحتوى فيديو منتشر أو هاشتاج رائج. هذا التأثير لم يعد مجرد انطباع، بل أصبح موضوعًا لأبحاث علمية حديثة.
في 15 يوليو 2025 نُشر بحث علمي في مجلة الفيدرالية الدولية لجراحات السمنة (IFSO) تناول ظاهرة لافتة في تايوان، حيث انتشرت عملية سمنة غير معتمدة دوليًا بشكل واسع خلال سنوات قليلة، مدفوعة بشكل أساسي بحملات مكثفة على منصات التواصل الاجتماعي.
فهل يمكن أن يتكرر السيناريو نفسه في دول أخرى؟ وهل ما يحدث مع عملية الساسي مثال قريب من هذه الظاهرة؟
ماذا كشف البحث العلمي المنشور في 2025؟
تناول البحث ظاهرة انتشار عملية جراحية ما زالت تحت الدراسة ولم تحصل على اعتماد دولي رسمي، ومع ذلك قفزت نسب إجرائها في تايوان من 9% من إجمالي جراحات السمنة عام 2019 إلى نحو 30% في عام 2025.
أي أن ثلث عمليات السمنة في تايوان أصبحت تُجرى بهذه التقنية، رغم:
- عدم وجود اعتماد دولي رسمي لها.
- عدم توفر بيانات واضحة عن نسب النجاح طويلة المدى.
- غياب إحصاءات دقيقة حول معدلات المضاعفات.
السؤال الذي طرحه الباحثون: كيف انتشرت عملية تجريبية بهذه السرعة؟
دور السوشيال ميديا في تغيير القرار الجراحي
أظهر التحليل أن منصات مثل تيك توك، إنستجرام، وتويتر لعبت دورًا محوريًا في الترويج للعملية، من خلال:
- فيديوهات لحالات ناجحة فقط.
- شهادات مؤثرة عاطفيًا.
- محتوى تسويقي يركز على المزايا دون ذكر المخاطر.
- تكرار مصطلحات جذابة وسهلة الانتشار.
ومع كثافة الترويج، بدأ المرضى يطلبون العملية بالاسم، حتى قبل استشارة الجمعيات العلمية أو الاطلاع على الأدلة الطبية.
هل الكلام بعيد عنا؟
قد يظن البعض أن الحديث يخص تايوان فقط، لكن الواقع أن الظاهرة ليست حكرًا على دولة بعينها.
في بعض الدول العربية، تُسوَّق عملية الساسي أحيانًا على أنها “جوكر عمليات السمنة”، مع وعود مثل:
- عدم استعادة الوزن نهائيًا.
- عدم الحاجة إلى تناول الفيتامينات.
- نتائج مضمونة للجميع.
هذه الرسائل التسويقية قد تبدو جذابة، لكنها تحتاج إلى تقييم علمي دقيق بعيدًا عن لغة الدعاية.
ما هي المشكلة في العمليات غير المعتمدة دوليًا؟
عندما نقول إن عملية “غير معتمدة دوليًا”، فهذا يعني أنها:
- ما زالت تحت البحث والدراسة.
- لا توجد توصيات رسمية من الجمعيات العلمية الكبرى باعتمادها كإجراء قياسي.
- لم تثبت بعد تفوقها بوضوح على العمليات المعتمدة.
الاعتماد الدولي لا يُمنح بسهولة، بل بعد:
- دراسات طويلة المدى.
- مقارنة النتائج بمئات أو آلاف الحالات.
- إثبات أن نسبة النجاح أعلى من نسبة الفشل.
- التأكد من أن المضاعفات ليست شديدة أو متكررة.
غياب هذا الاعتماد لا يعني بالضرورة أن العملية فاشلة، لكنه يعني أن البيانات غير مكتملة، وأن استخدامها الواسع قد يسبق الأدلة العلمية.
لماذا تنجح بعض العمليات تجاريًا رغم غياب الأدلة؟
السوشيال ميديا بطبيعتها تبرز القصص الناجحة فقط. نادرًا ما تُنشر تجارب المضاعفات أو النتائج غير المرضية.
عندما يرى المريض عشرات الفيديوهات لنتائج إيجابية، قد يكوّن انطباعًا بأن:
- العملية مضمونة.
- لا مضاعفات لها.
- هي الحل النهائي.
لكن الطب لا يُبنى على الانطباعات، بل على الإحصاءات والدراسات المحكمة.
ماذا تعلمنا من تجربة تايوان؟
أوصى البحث العلمي المنشور بضرورة:
- تعزيز التعاون بين الجمعيات العلمية وصناع المحتوى.
- نشر معلومات مبنية على الأدلة.
- توعية المرضى بقراءة المصادر العلمية وليس الاكتفاء بالمحتوى الرائج.
- وضع ضوابط أخلاقية للإعلانات الطبية على السوشيال ميديا.
هذه التوصيات لا تخص تايوان وحدها، بل أي مجتمع تتأثر قراراته الصحية بالمحتوى الرقمي.
كيف يتخذ المريض قرارًا صحيحًا؟
قبل اختيار أي عملية سمنة، يُفضل:
- الرجوع إلى الجمعيات العلمية المتخصصة.
- السؤال عن الاعتماد الدولي للعملية.
- الاطلاع على الدراسات طويلة المدى.
- مناقشة البدائل المعتمدة مع الطبيب.
- عدم الاعتماد على فيديو واحد أو تجربة فردية.
العملية الجراحية قرار طويل المدى، وتأثيرها يستمر سنوات، لذلك لا ينبغي أن يُبنى على هاشتاج أو مقطع قصير.
هل السوشيال ميديا عدو أم أداة؟
السوشيال ميديا ليست عدوًا في حد ذاتها، بل وسيلة. يمكن استخدامها لنشر الوعي الصحيح كما يمكن استخدامها لنشر معلومات ناقصة.
المشكلة لا تكمن في المنصة، بل في نوع المحتوى ومدى التزامه بالمعايير العلمية.
عندما يتحول التسويق الطبي إلى منافسة على المشاهدات فقط، قد يتراجع صوت العلم أمام قوة الانتشار.
الخلاصة
الهاشتاج قد يغيّر اتجاهًا تجاريًا، لكنه لا يجب أن يغيّر قرارًا جراحيًا دون أدلة علمية واضحة.
تجربة تايوان تُظهر كيف يمكن لعملية غير معتمدة دوليًا أن تقفز من 9% إلى 30% من إجمالي العمليات خلال سنوات قليلة، مدفوعة بزخم السوشيال ميديا، رغم غياب بيانات حاسمة حول نتائجها طويلة المدى.
القرار الطبي يجب أن يُبنى على:
- اعتماد علمي واضح.
- دراسات موثوقة.
- توصيات جمعيات متخصصة.
- تقييم فردي دقيق لكل حالة.
أما المحتوى الرائج، فيمكن أن يكون بداية للبحث، لكنه لا يجب أن يكون نهاية القرار.
