يظن كثير من الناس أن جراحات السمنة ليست أكثر من “تصغير للمعدة” أو “تقليل لكمية الأكل”.
لكن الحقيقة العلمية أعمق بكثير من ذلك.
فجراحات السمنة لا تغيّر حجم المعدة فقط، بل تعيد برمجة لغة الحوار بين المخ والمعدة، وتؤثر بشكل مباشر على إشارات الجوع والشبع، وتنظّم العلاقة بين الأكل والحرق، وتعيد ضبط الإعدادات الداخلية للجسم والعقل معًا.
وهذا المفهوم كان محور مقال علمي مهم نُشر على موقع الفيدرالية الدولية لجراحات السمنة (IFSO) بتاريخ 5 نوفمبر 2025، سلّط الضوء على الدور العصبي والهرموني لجراحات السمنة، وليس فقط دورها الميكانيكي.
أولًا: إشارات الجوع… لغة حوار بين المخ والمعدة
الجوع ليس مجرد إحساس في المعدة،
بل هو لغة حوار معقّدة بين:
- الجهاز الهضمي
- الهرمونات
- الأعصاب
- ومراكز الجوع والشبع في المخ
هذه اللغة تعتمد على شبكة من الإشارات العصبية والهرمونية، أهمها:
- هرمون الجريلين (هرمون الجوع)
- هرمونات الشبع مثل GLP-1 وPYY
- إشارات العصب الحائر
- مراكز تنظيم الشهية في تحت المهاد (Hypothalamus)
في الحالة الطبيعية، يكون هذا الحوار متوازنًا:
المعدة ترسل إشارات الجوع عند الحاجة للطاقة
والمخ يرسل إشارات التوقف عند الوصول للشبع
ثانيًا: ماذا يحدث لهذه اللغة في حالة السمنة؟
في حالة السمنة المفرطة، لا تكون المشكلة في كمية الأكل فقط،
بل في خلل عميق في لغة الحوار بين المخ والمعدة.
ومن مظاهر هذا الخلل:
- ارتفاع مزمن في هرمون الجريلين
- ضعف استجابة المخ لهرمونات الشبع
- اضطراب إشارات العصب الحائر
- مقاومة مراكز الشبع في المخ للإشارات الطبيعية
والنتيجة:
الشخص يشعر بالجوع بسرعة
ولا يشعر بالشبع بسهولة
ويحتاج إلى كميات أكبر من الطعام ليحس بالامتلاء
ويعاني من رغبة مستمرة في الأكل حتى دون حاجة حقيقية للطاقة.
لهذا السبب، يفشل الرجيم التقليدي عند كثير من مرضى السمنة المفرطة،
لأن المشكلة ليست “قلة إرادة”،
بل خلل بيولوجي في نظام تنظيم الشهية.
ثالثًا: جراحات السمنة لا تستهدف المعدة فقط
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن:
جراحات السمنة = تصغير المعدة = أكل أقل.
لكن الحقيقة أن جراحات السمنة تستهدف بشكل مباشر:
المحور الواصل بين المخ والمعدة
أي الرابط العصبي والهرموني بين الجهاز الهضمي ومراكز المخ.
بمعنى آخر:
الجراحة تغيّر طريقة إرسال واستقبال الإشارات بين المعدة والمخ.
رابعًا: كيف تغيّر الجراحة لغة الحوار العصبية والهرمونية؟
جراحات السمنة، مثل:
- تكميم المعدة
- تحويل المسار
- السادي إس
تؤدي إلى تغييرات عميقة في:
1) هرمونات الجوع والشبع
بعد الجراحة:
- ينخفض هرمون الجريلين بشكل واضح
- ترتفع هرمونات الشبع مثل GLP-1 وPYY
- تتحسن حساسية المخ لهذه الهرمونات
والنتيجة:
إحساس أقل بالجوع
إحساس أسرع وأقوى بالشبع
تحكم أفضل في كميات الأكل.
2) إشارات العصب الحائر
العصب الحائر هو الطريق العصبي الرئيسي بين الجهاز الهضمي والمخ.
بعد جراحات السمنة:
- تتغيّر إشارات العصب الحائر
- يتحسن إرسال إشارات الشبع للمخ
- يقل تحفيز مراكز الجوع بشكل مرضي
3) مراكز الجوع في المخ
الدراسات أظهرت أن:
- نشاط مراكز الجوع في المخ يقل بعد الجراحة
- استجابة مراكز الشبع تتحسن
- تقل الرغبة القهرية في الأكل
- يتحسن التحكم في السلوك الغذائي.
خامسًا: تقليل الجوع ليس خدعة… بل إعادة ضبط بيولوجية
كثير من المرضى يقولون بعد الجراحة:
“أنا مش جعان زي الأول”
“بشبع بسرعة”
“مش بفكر في الأكل طول الوقت”
وهذا ليس تأثيرًا نفسيًا أو وهميًا،
بل نتيجة إعادة ضبط بيولوجية حقيقية في نظام تنظيم الشهية.
الجراحة تعيد:
- توازن الهرمونات
- توازن الإشارات العصبية
- توازن العلاقة بين الأكل والحرق
سادسًا: ليس أكلًا أقل فقط… بل إعادة ضبط للجسم والعقل
النجاح الحقيقي لجراحات السمنة لا يأتي فقط من:
تقليل كمية الأكل.
بل من:
إعادة ضبط إعدادات الجسم والعقل للعمل معًا.
وهذا يشمل:
- تنظيم الشهية
- تحسين الحرق
- تقليل الرغبة في السكريات
- تحسين حساسية الإنسولين
- تحسين المزاج والطاقة
- تقليل نوبات الأكل العاطفي
بمعنى أدق:
الجراحة تعيد الجسم إلى وضعه الطبيعي
الذي فشل الرجيم التقليدي في تحقيقه عند مرضى السمنة المفرطة.
سابعًا: لماذا يفشل “هخس بالرجيم بس” عند السمنة المفرطة؟
عندما يقول شخص يعاني من سمنة مفرطة:
“هقلل أكلي شوية وأخس بالرجيم”
فهو يتجاهل حقيقة بيولوجية مهمة:
نظام الجوع والشبع عنده مختل وظيفيًا.
تقليل الأكل فقط يؤدي إلى:
- ارتفاع هرمون الجريلين أكثر
- زيادة الإحساس بالجوع
- بطء معدل الحرق
- نوبات شراهة لاحقة
- رجوع الوزن بعد فترة قصيرة
ولهذا السبب، تُظهر الدراسات أن:
نسبة فشل الرجيم طويل المدى
عند مرضى السمنة المفرطة
تتجاوز 90%.
ثامنًا: ماذا قالت الفيدرالية الدولية لجراحات السمنة؟
المقال المنشور بتاريخ 5 نوفمبر 2025 على موقع IFSO أكد أن:
- جراحات السمنة تستهدف المحور العصبي والهرموني بين المخ والمعدة
- وليست مجرد إجراء ميكانيكي على المعدة
- وأنها تلعب دورًا حيويًا في:
- تقليل الجوع
- تعزيز الشبع
- إعادة التوازن بين الحرق وكميات الأكل
- تحسين الصحة النفسية والسلوكية الغذائية.
- تقليل الجوع
تاسعًا: الصحة النفسية جزء من المعادلة
من النتائج غير المتوقعة عند كثير من المرضى:
- تحسن المزاج
- تحسن الثقة بالنفس
- تقليل القلق المرتبط بالأكل
- تقليل التفكير القهري في الطعام
وهذا لأن:
إعادة ضبط إشارات الجوع والشبع
تخفف الصراع الداخلي المستمر مع الأكل.
الخلاصة
- إشارات الجوع هي لغة حوار بين المخ والمعدة.
- في السمنة المفرطة، هذه اللغة تكون مختلة وظيفيًا.
- جراحات السمنة لا تستهدف المعدة فقط، بل تستهدف المحور العصبي والهرموني بين المخ والمعدة.
- الجراحة تغيّر الهرمونات والإشارات العصبية ومراكز الجوع في المخ.
- النتيجة ليست أكلًا أقل فقط، بل:
- جوع أقل
- شبع أسرع
- توازن أفضل بين الأكل والحرق
- صحة نفسية وجسدية أفضل.
- جوع أقل
- الرجيم وحده يفشل غالبًا عند السمنة المفرطة بسبب خلل بيولوجي، لا ضعف إرادة.
وأخيرًا،
جراحات السمنة ليست مجرد عملية في المعدة،
بل هي إعادة ضبط كاملة
للغة الحوار بين مخك ومعدتك.
ولهذا السبب،
إذا كنت تعاني من سمنة مفرطة،
فالمشكلة ليست أنك “تأكل كثيرًا”،
بل أن نظام الجوع والشبع لديك مختل بيولوجيًا.
وإعادة ضبط هذا النظام
قد تكون المفتاح الحقيقي لنجاح طويل المدى
في صحتك النفسية والجسدية.
