في السنوات الأخيرة، انتشرت إعلانات لجراحي السمنة تتضمن عبارات جذابة مثل:
“عمليتك بدون تسريب”
“أمان 100%”
“لا مضاعفات بعد العملية”
وغالبًا ما تُقدَّم هذه الوعود على أنها ميزة تنافسية أو تقنية خاصة لدى طبيب بعينه.
لكن من منظور علمي وأخلاقي، هذه العبارات لا تمت إلى الحقيقة الطبية بصلة، وتدخل ضمن إطار الدعاية الطبية المضللة التي قد تضع المرضى في خطر نفسي وجسدي.
أولًا: هل توجد عملية جراحية بدون تسريب؟
الإجابة العلمية الواضحة: لا.
لا توجد أي عملية جراحية في العالم، سواء في جراحات السمنة أو غيرها، يمكن ضمان خلوّها من المضاعفات بنسبة 100%.
التسريب هو أحد المضاعفات المحتملة في:
- عملية تكميم المعدة
- تحويل المسار
- السادي إس
- أي إجراء يتضمن قصًّا أو تدبيسًا أو توصيلًا بين الأمعاء
حتى في أكبر المراكز الطبية العالمية، ومع أمهر الجرّاحين، تبقى هناك نسبة – ولو ضئيلة – لاحتمال حدوث تسريب.
لذلك، فإن عبارة:
“عملية بدون تسريب”
هي عبارة غير علمية، ولا يجوز استخدامها طبيًا أو أخلاقيًا.
ثانيًا: لماذا يُعد هذا الإعلان غير أخلاقي؟
جراح السمنة ليس بائعًا لمنتج تجاري، بل طبيبًا يُؤتمن على حياة الإنسان وصحته.
أخلاقيات الدعاية الطبية تفرض على الطبيب أن:
- يقول الحقيقة كاملة
- يوضح المخاطر قبل الفوائد
- لا يطلق وعودًا مطلقة
- لا يخدع المريض بشعارات تسويقية
عندما يقول الطبيب:
“عمليتك بدون مضاعفات”
فهذا يعادل – عمليًا – القول:
“هذه سيارة لا تتعرض للحوادث”
وهو أمر مستحيل واقعيًا وفعليًا.
ثالثًا: ما الذي يمكن للطبيب قوله بشكل علمي صحيح؟
بدلًا من العبارات المطلقة، يمكن للطبيب أن يتحدث بلغة طبية دقيقة مثل:
- “نستخدم أحدث التقنيات لتقليل نسبة التسريب”
- “نلتزم بإجراءات صارمة لرفع مستوى الأمان”
- “نسبة المضاعفات لدينا منخفضة مقارنة بالمتوسط العالمي”
- “نمتلك بروتوكولات متابعة دقيقة لاكتشاف أي مضاعفات مبكرًا”
هذه عبارات واقعية، صادقة، وتحترم عقل المريض.
رابعًا: ما الذي يقلل فعليًا من خطر التسريب؟
التسريب لا يمكن منعه بنسبة 100%، لكنه يمكن تقليل احتماله عبر مجموعة من العوامل الطبية المهمة:
1) التقنية الجراحية السليمة
- عدم ترك نقاط ضيقة في المعدة
- عدم التضييق المفرط عند الزاوية العليا للمعدة
- تدبيس منتظم ومتوازن دون شد زائد على الخط الجراحي
2) استخدام أدوات أصلية ومعتمدة
- الدبابيس الجراحية الأصلية
- أجهزة تدبيس حديثة
- خيوط جراحية طبية معتمدة
استخدام أدوات رديئة أو مقلدة يزيد خطر التسريب بشكل كبير.
3) خبرة الجرّاح
كلما زادت خبرة الجرّاح في جراحات السمنة، قلت نسبة المضاعفات، بما فيها التسريب.
4) اختيار المريض المناسب
- ضبط مستوى السكر قبل العملية
- إيقاف التدخين
- علاج الأنيميا
- تقليل الوزن المبدئي في الحالات عالية الخطورة
هذه العوامل ترفع من نسبة الأمان.
5) بروتوكولات المتابعة بعد العملية
- متابعة المريض في أول 24–72 ساعة
- طلب أشعة أو تحاليل عند أي شك
- سرعة التدخل عند ظهور أعراض غير طبيعية
الاكتشاف المبكر للتسريب يقلل من مخاطره ومضاعفاته بشكل كبير.
خامسًا: أحدث التقنيات لا تعني صفر مضاعفات
من الأخطاء الشائعة في الدعاية الطبية الخلط بين:
“أحدث التقنيات”
و
“عدم وجود مضاعفات”
حتى أحدث عربات العالم تتعرض للحوادث.
وحتى العمليات التي تُجرى في أرقى المستشفيات العالمية قد تحدث لها مضاعفات.
التقنيات الحديثة:
- تقلل نسبة المضاعفات
- لا تلغيها تمامًا
وهنا يجب أن يكون الطبيب أمينًا في عرض الحقيقة، لا مسوّقًا يبيع وهم الأمان الكامل.
سادسًا: الشفافية هي أساس الثقة الطبية
عندما يُخفي الطبيب المخاطر، أو يقلل من شأنها، أو ينفي وجودها، فهو لا يحمي المريض، بل يعرّضه لصدمة نفسية ومضاعفات قانونية وطبية لاحقًا.
الطبيب الأمين يقول للمريض:
- هذه العملية لها فوائد كبيرة
- لكنها ليست خالية من المخاطر
- ونسبة التسريب موجودة لكنها منخفضة
- ولدينا خطة واضحة للتعامل معها لو حدثت
بهذا الأسلوب، يشعر المريض بالثقة والاطمئنان الحقيقي، لا الوهمي.
سابعًا: التزام المعايير الأخلاقية في الدعاية الطبية
الدعاية الطبية ليست مجالًا مفتوحًا للتضليل أو المبالغة.
من أبسط قواعدها:
- عدم إطلاق وعود مطلقة
- عدم إنكار المضاعفات المحتملة
- توضيح نسب النجاح والفشل
- استخدام لغة علمية دقيقة
- عدم استغلال خوف المريض أو جهله
فالطبيب الذي يقول الحقيقة قد يخسر مريضًا اليوم،
لكنه يكسب ثقة المجتمع الطبي والمرضى على المدى الطويل.
الخلاصة
- لا توجد عملية جراحية بدون مضاعفات أو بدون تسريب بنسبة 100%.
- عبارة “عمليتك بدون تسريب” غير علمية وغير أخلاقية.
- ما يمكن فعله هو تقليل خطر التسريب، لا منعه تمامًا.
- الأمان الحقيقي يأتي من:
- التقنية الصحيحة
- الأدوات الأصلية
- خبرة الجرّاح
- اختيار المريض المناسب
- المتابعة الدقيقة بعد العملية
- التقنية الصحيحة
وأخيرًا،
جراح السمنة الذي يحترم نفسه ومريضه، لا يبيع وهم الأمان المطلق،
بل يقدّم الحقيقة كاملة،
ويعمل بأقصى ما لديه من علم وتقنية ليصل بمريضه إلى بر الأمان.
